الفقير هو من يتصدق على الغني (وما نقص مال من صدقة)

أم عبد الباري

:: حواء جديدة ::
إنضم
20 أفريل 2020
المشاركات
9
نقاط التفاعل
18
النقاط
15
#قصة_للعبرة
لقم ونقم
وقف عبدالكريم صاحب أحد المطاعم الفاخرة وسط صالة الطعام شبه الفارغة، في توقيت المفترض أنه وقت الذروة في الأسابيع والشهور الماضية، وكان هذا الحال قد بدأ تدريجيا منذ بضعة أيام والزبائن تنحسر عن المطعم شئ فشئ بلا سبب واضح، فهو لم يقصر في جودة الطعام أو يزيد الأسعار عن المعتاد.
خرج عبدالكريم إلى الشارع الذي كان مزدحماً بالمارة في الحي التجارى، ويتلفت بحثاً عن سبب واضح لإنحصار الزبائن عنه دون فائده.
فهو المطعم الوحيد الذي يقدم أطباق مختلفة تميزه عن باقي المطاعم من حوله، بالإضافة إلى شهرته في حفاوة أستقبال العملاء، وسرعة تلبية رغباتهم مما جعله مقصداً للزبائن من كل الأطياف.
عاد عبدالكريم إلى مكتبه الصغير خلف المطعم يفكر بالقيام بأي إجراء يجذب به الزبائن مرة أخرى، فهل يقدم خصومات أم وجبات بأسعار مخفضة، لا بل سوف أقدم وجبات مجانية للمجموعات والعائلات.
وفجأة توقف عبدالكريم عن التفكير وتعلق بفكرة الوجبات المجانية وكأنه تذكر شئ ما، لينادي على كبير الطهاه الذي حضر سريعاً ويسأله.
"هل حضرت أم أمل اليوم لتأخذ الطعام؟"
مط الرجل شفتيه وهو يهز رأسه بالنفي ويرد.
"لا لم تأتي، كما لم تأتي في الأيام السابقة أيضاً"
أندهش عبدالكريم من تلك الإجابة ليسأله مرة أخرى.
"منذ متى؟"
"منذ عدة أيام، يومها كان المطعم مزدحم وأقبلت هي لتأخذ الطعام كعادتها، ولكنك حينها صرخت في وجهها ونهرتها بأنه ليس هذا الوقت المناسب للشحاته"
بهت وجه عبدالكريم وهو يتذكر تلك الواقعة التي قد نساها تماماً، ولم يهتم منذ حينها.
كانت أم أمل سيدة المسنة ترملت وهي في الأربعين من عمرها وفي رقبتها أطفالها الثلاث، لتخرج وتعمل عدة أعمال شاقة متفرقة حتى أعياها المرض وأصبحت لا تستطيع العمل كالسابق وأستكفت بجلستها لتبيع الخضروات في السوق لتتكسب جنيهات قليلة لا تكاد تسد رمق أطفالها، وفي أحد الأيام مر بها عبدالكريم لتدعوه أن يشتري منها بعض الخضروات، ليجلس أمامها بعد أن جذبته طيبة وجهها الصبوح المبتسم برغم الألام التي تشعر بها، وتحكي له قصتها.
ومنذ ذلك الحين طلب منها أن تمر يومياً على مطعمه ليعطيها ما لذ وطاب لها ولأولادها، ويظل هكذا لشهور طويلة دون أن تنقطع، تذكر عبدالكريم أنه منذ ذلك الحين والمطعم في رواج ورخاء لم يعتاده، تذكر دعواتها الصادقة وعيونها الشاكرة وهي تأخذ الطعام مغلفاً بعناية مثلها مثل أي زبون للمطعم.
فزع عبدالكريم وخرج مسرعاً من مطعمه قاصداً المكان الذي كانت تجلس فيه في السوق، ليجد المكان مشغولاً بسيدة أخرى وأم أمل لا أثر لها في السوق، ليقف شارداً يفكر كيف يجدها وهو لا يعلم أين تسكن، لينتبه على صوت إحدى البائعات تدعوه ليشتري منها، ليقترب في هدوء وعلى وجهه إبتسامة بسيطة ويسألها.
"هل تعرفين أم أمل، التي كانت تبيع الخضروات هنا في السوق؟"
ردت السيدة وهي ترفع يديها داعية.
"اللهم خفف عنها وأشفها يا رب، أنها حبيبتي وحبيبة الجميع هنا"
فزع عبدالكريم من كلماتها ليسألها بذعر واضح.
"ماذا حدث لها؟"
لترد السيدة بعد أن زفرت الهواء بقوة.
"لقد عادت إلى منزلها منذ بضعة ليالي خاوية اليدين لا تحمل عشاءً لأولادها كما أعتادت، لتصاب بحزن شديد أفقدها وعيها وسقطت في الشارع لولا أن أنقذها بعض الجيران الطيبين"
كاد قلب عبدالكريم أن ينخلع من مكانه وهو يشعر بأنه هو السبب الرئيسي فيما حدث، ليعود ويسأل السيدة والكلمات بالكاد تخرج من فمه.
"هل تعرفين أين تسكن؟"
ردت السيدة بالإيجاب ووصفت له مكان المنزل، ليعود سريعاً إلى المطعم ويأمر الطهاه بتجهيز طلب محترم من أشهى مأكولات المطعم ليحمله وينطلق إلى ذلك العنوان واللوم يملأ صدره وهو لا يعرف كيف يعتذر منها.
وصل عبد الكريم أمام بيت أم أمل في ذلك الحي العشوائي وهو يسمع دقات قلبه تكاد تحطم ضلوعه، قبل أن يطرق الباب ويسمع صوت فتاة تسأل ويجيبها.
"أنا عبدالكريم صاحب مطعم ..."
لم يكمل عبدالكريم كلماته لينفتح الباب ويلاقى تلك الفتاة التي يافعة وعلى وجهها أبتسامة صافية، تشبه أمها كثيرا وهي ترحب به وتدعوه للدخول.
دلف عبد الكريم من الباب وهو لا يعلم أن بيت أم أمل عبارة عن غرفة واحدة بها كل شئ، ويفاجئ بها على يساره تجلس على الفراش وتتطلع في عينه بنظرات ملأتها لوم وعتاب، بجوارها صبيان عيونهم معلقة باللفافة التي يحملها بعد ان ملأت روائح الطعام الغرفة.
لم يعرف من أين يبدأ وكيف يعتذر وهل هناك كلمات تداوي جرح الروح وتجبر كسر الخواطر، أقترب منها بخطوات ثقيلة حتى شعرت بمعاناته وحن قلبها الرحيم فأبتسمت وأشارت له ليجلس على طرف الفراش، فجلس وتطلع في وجهها الذي أشرق بإبتسامة رضا وترحيب أستقبلها بإستحياء، قبل أن يبادرها.
"أردت أن أتناول طعامي معكم، فهل تسمحين لي أن نتشارك الطعام؟"
هربت دمعة من مقلتها كادت تحرق وجدانه الذي يئن من وطئة الإحساس بالذنب، لترد عنها إبنتها.
"أمي لا تتكلم منذ عدة أيام، ولا تكف عن البكاء"
أحس بغصة في صدره قبل أن يحاول تصنع المرح وهو يفتح لفافات الطعام ويهتف.
"دعونا إذاً نطعمها ونحاول أن نسعدها"
وبدأوا في تناول الطعام وهو يحاول نشر البهجة في جنبات الغرفة الحزينة، ليبدأ أطفالها تبادل الضحكات وأمل تطعم أمها التي أبتسمت في عدة مناسبات قليلة، وحين جاء وقت الأنصراف وقف أمام أم أمل يستجديها بهمس مكسور.
"سيدتي، لا أملك أن أعيد كلمة خرجت من لساني دون وعي مني، ولكني أملك الشجاعة للأعتراف بالخطأ وطلب المغفرة، وأعرف أنك كبيرة القلب لن تبخلي علي بالصفح"
أشاحت بوجهها عنه وعادت تبكي بكاء صامت، ليقف لثواني طويلة منتظر عفوها دون جدوى، ليطرق رأسه حزناً ويلتفت ناحية الباب مغادراً، قبل أن يتوقف فجأة على صوتها وهي تنطق بضعف.
"أشكرك يا أستاذ عبدالكريم، ربنا يسعدك ويسترك ويرزقك من حيث لا تحتسب"
كلمات بسيطة كانت بالدنيا وما فيها، السعادة والستر والرزق، فهو لن يحتاج أكثر من ذلك، غادرهم وهو مفعم بالبهجة ووعدهم أنه سوف يتردد عليهم دائماً حتى تتعافى أمهم بعد أن أعطاهم من مال الله قدراً، وفي الطريق عرج مرة أخرى على المطعم وما أن وصل هناك حتى هاله ما وجد.
زحام شديد بصالة الطعام وزبائن على قائمة الإنتظار والعاملين كخلية النحل يكادوا لا يستطيعون تلبية كافة الطلبات، أندفع إلى داخل المطعم وما أن قابل كبير الطهاه حتى سأله يستفسر منه عن سبب ما حدث فرد عليه.
"هل تعرف سعيد سرور؟"
"نعم إنه أشهر ناقد طعام في البلد"
"كان هنا وطلب عدة أنواع من الأطعمة وصور تجربته مباشرة على صفحته الخاصة والذي وصفها بتجربة رائعة مما دفع الزبائن للحضور والإزدحام كما ترى"
سأله بلهفة.
"ومتى كان ذلك؟"
"كان منذ ساعتين تقريباً"
نظر في ساعته وعرف أنه نفس توقيت وصوله عند أم أمل، ليعى الدرس ويعرف أن العاطيِ يعطيِ من كرمه لنعطي عباده، وأن الكلمة تحي وتميت، والصدقة لا تنقص المال وأن الفقير هو من يتصدق على الغني حين يرضى ويقبل عطفنا وإحساننا.
بقلم محمد الحريري

#لقم_ونقم
 

رحاب الجزائرية

:: مشرفة ::
إنضم
1 أوت 2019
المشاركات
676
نقاط التفاعل
2,088
النقاط
86
عبرة من هذه القصة أتمنى ان يفهمها الجميع

بارك الله فيك اختي على هذا الموضوع وهانحن على أبواب شهر مبارك كم من فقطر يئن جوعا في سمت ونحن لا ندري اللهم اعنا على إسعاد الغير
 

الورد الأحمر

:: إدارة حواء الجزائر ::
طاقم الإدارة
إنضم
16 ماي 2019
المشاركات
844
نقاط التفاعل
2,360
النقاط
66
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الصدقة لا تنقص من المال حقا، هناك قانون يسمى بقانون الرجوع مبدؤه أنك كلما أعطيت يرجع إليك عطاؤك وما إن يتوقف العطاء يتوقف الاستقبال أيضا.

من لا يتصدق كأنه ليس بحاجة للرزق أكثر لذلك الصدقة تفتح أبواب الرزق.

مشكورة حبيبتي على القصة والعبرة التي نستخلصها منها 😘😘
 
Top